ابن قيم الجوزية
431
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الصبر . فيكون صبره في هذا الحال ملزوم الوحشة والنكارة . لمنافاتها لحال المحب . قيل : لا منافاة في ذلك بوجه . فإن صبره حينئذ قد اندرج في رضاه . وانطوى فيه . وصار الحكم للرضي . لا أن الصبر عدم ، بل لقوة وارد الرضى والحب . وإيثار مراد المحبوب ، صار المشهد والمنزل للرضي بحكم الحال . والصبر جزء منه ومنطو فيه . ونحن لا ننكر هذا القدر . فإن كان هو المراد ، فحبذا الوفاق . وليس المقصود القيل والقال . ومنازعات الجدال وإن كان غيره : فقد عرف ما فيه . واللّه سبحانه وتعالى أعلم . درجات الصبر قال : « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : الصبر عن المعصية ، بمطالعة الوعيد : إبقاء على الإيمان ، وحذرا من الحرام . وأحسن منها : الصبر عن المعصية حياء » ذكر للصبر عن المعصية سببين وفائدتين . أما السببان : فالخوف من لحوق الوعيد المترتب عليها . والثاني : « الحياء » من الرب تبارك وتعالى أن يستعان على معاصيه بنعمه ، وأن يبارز بالعظائم . وأما الفائدتان : فالإبقاء على الإيمان ، والحذر من الحرام . فأما مطالعة الوعيد ، والخوف منه : فيبعث عليه قوة الإيمان بالخبر ، والتصديق بمضمونه . وأما الحياء : فيبعث عليه قوة المعرفة ، ومشاهدة معاني الأسماء والصفات . وأحسن من ذلك : أن يكون الباعث عليه وازع الحب . فيترك معصيته محبة له ، كحال الصهيبيين . وأما الفائدتان : فالإبقاء على الإيمان : يبعث على ترك المعصية . لأنها لا بد أن تنقصه ، أو تذهب به ، أو تذهب رونقه وبهجته ، أو تطفئ نوره ، أو تضعف قوته ، أو تنقص ثمرته . هذا أمر ضروري بين المعصية وبين الإيمان . يعلم بالوجود والخبر والعقل ، كما صح عنه صلى اللّه عليه وسلم : « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن . ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن . ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن . ولا ينتهب نهبة ذات شرف - يرفع إليه الناس فيها أبصارهم حين ينتهبها - وهو مؤمن . فإياكم إياكم . والتوبة معروضة بعد » . وأما الحذر عن الحرام : فهو الصبر عن كثير من المباح ، حذرا من أن يسوقه إلى الحرام . ولما كان « الحياء » من شيم الأشراف ، وأهل الكرم والنفوس الزكية : كان صاحبه أحسن حالا من أهل الخوف . ولأن في الحياء من اللّه ما يدل على مراقبته وحضور القلب معه . ولأن فيه من تعظيمه وإجلاله ما ليس في وازع الخوف . فمن وازعه الخوف : قلبه حاضر مع العقوبة . ومن وازعه الحياء : قلبه حاضر مع اللّه . والخائف مراع جانب نفسه وحمايتها . والمستحي مراع جانب ربه وملاحظ عظمته . وكلا المقامين من مقامات أهل الإيمان .